محمد جمال الدين القاسمي
226
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ينقطع إذا كان عارضا لم ينشأ عن صفة لازمة ثابتة - فعند ما يسمع لفظ الرَّحِيمِ يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 2 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ أي الثناء بالجميل ، والمدح بالكمال ثابت لله دون سائر ما يعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه . واللام في الْحَمْدُ للاستغراق أي استغراق جميع أجناس الحمد وثبوتها لله تعالى تعظيما وتمجيدا - كما في الحديث : « اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله » . قال الإمام ابن القيّم في « طريق الهجرتين » : الملك والحمد في حقه تعالى متلازمان . فكل ما شمله ملكه وقدرته شمله حمده ، فهو محمود في ملكه ، وله الملك والقدرة مع حمده . فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته ، يستحيل خروجها عن حمده وحكمته . ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره لينبّه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده . فهو محمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر وعبودية وحمد ثناء ومدح ، ويجمعهما التبارك ، فَتَبارَكَ اللَّهُ * يشمل ذلك كله . ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ الأعراف : 54 ] . فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح . والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة ، والسبيل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزئياته ، وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جدا ، لأن جميع أسمائه ، تبارك وتعالى ، حمد ، وصفاته حمد ، وأفعاله حمد ، وأحكامه حمد ، وعدله حمد ، وانتقامه من أعدائه حمد ، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد ، والخلق والأمر إنما قام بحمده ، ووجد بحمده ، وظهر بحمده ، وكان الغاية هي حمده ، فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله . فحمده روح كل شيء ، وقيام كل شيء بحمده ، وسريان حمده في الموجودات ، وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر . - ثم قال - : وبالجملة فكل صفة علياء ، واسم حسن ، وثناء جميل ، وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عزّ وجلّ على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها ، وجميع ما يوصف به ، ويذكر به ، ويخبر عنه به فهو محامد له وثناء وتسبيح وتقديس ، فسبحانه وبحمده لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه . رَبِّ الْعالَمِينَ الرب يطلق على السيد المطاع وعلى المصلح وعلى المالك . -